الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
123
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
يلتزموا الصمت في هذا الباب إذا وردت عليهم واردات من قبيل الشطحات . فمصير الحلاج إذن كان أبلغ عبرة لهم في هذا الباب . بالسر إن باحوا تبُح دماؤهم * وكذا دماء البائحين تُباح ليس من المستبعد أن يكون الشبلي هو أول من نبه الصوفية إلى وجوب عدم الإباحة بهذه الأسرار ، لأنه وقد كان صديق الحلاج الحميم ، وشاهد مصيره فأثر في نفسه أبلغ تأثير وأعمقه آثر ، طمعاً في السلامة ، أن يدخل هذه الفكرة ويدعو هذه الدعوة . ومن هنا يذكر المؤرخون عن الشبلي هذه الكلمات التي تعبر عن هذا المعنى تمام التعبير . قال الشبلي : أنا والحلاج في شيء واحد ، فخلصني جنوني وأهلكه عقله وفي العبارة مفارقة ظاهرة قد توهم السخرية والتهكم ، لكنه في الواقع قد أراد هذا المعنى بظاهر حروف ألفاظه وقال أيضاً : كنت أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً ، إلا أنه أظهر وكتمت . على أن هذا كله لا يدل مطلقاً على أن الصوفية كلهم قد أخذوا بدعوة الشبلي هذه . إنما كل ما نريد أن نقوله : هو أنه لعل الشبلي هو أول من تنبه إلى وجوب عدم إذاعة هذه الكلمات . فقد كان الصوفية إلى ما قبل الحلاج ينطقون بالكلمات الشطحية في غير تحرج ولا تحرز ، لأنه لم يكن للسلطان الخارجي بعد تأثير عليها . أما منذ قضية الحلاج فقد بدأ الصوفية يتبينون ما سيترتب على أقوالهم من نتائج عملية لابد أن يحسب لها ألف حساب . ولعل هذا يسمح لنا بتأريخ تفسير الجنيد ( المتوفي سنة 298 ه - / 910 م ) لشطحيات أبي يزيد البسطامي ، وهو التفسير الذي أورد لنا صاحب ( اللمع ) طرفاً منه . فأقوال الحلاج قد بدأت تشغل الرأي العام حوالي سنة 290 ه - ، وإن كانت القضية لم تتخذ صورة رسمية إلا سنة 301 ه - / سنة 913 م ) ، لكن كان مصيره معروفاً مقدماً ، لهذا نظن أن الجنيد قد اندفع في ذلك الحين إلى تفسير شطحيات أبي يزيد حتى يُبرئ أبا يزيد ، لأنه كان من المعجبين به ، بحيث يمكن تأريخ تفسير الجنيد هذا بالفترة ما بين 290 إلى 298 ، وبخاصة في سنواتها الأخيرة لما أن اشتعلت مسألة الحلاج اشتعالًا كافياً .